عوامل تراجع الاتحاد الأوروبي... انقسامات داخلية بشأن ملفات أساسية

أبرزها «المناخ» و«المهاجرون»
تظهر صورة التقطت يوم 15 أكتوبر 2021 ضباب التلوث فوق ليون، جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)
رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشال يشارك في مؤتمر عبر الفيديو مع قادة الاتحاد الأوروبي في مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل يومي 19 و20 أكتوبر
«أمل الصغيرة»، دمية عملاقة تصور فتاة سورية لاجئة، تمشي على طول واجهة المرفأ البحرية في فولكستون، جنوب شرقي إنجلترا، يوم 19 أكتوبر 2021 بعد وصولها من كاليه، كجزء من مشروع الفن الدولي «The Walk»

بون: واجه الاتحاد الأوروبي في السنوات القليلة الماضية عدة أزمات؛ مثل الأزمة الاقتصادية المتعلقة باليونان، وأزمة الهجرة غير النظامية، واللاجئين، وأزمة البريكسيت المتمثلة في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومثلت هذه الأزمات اختبارا لمدى تماسك الاتحاد الأوروبي كحلف إقليمي ومدى قوته وفاعليته في مواجهة الأزمات الخارجية والداخلية، وإنتاج حلول مشتركة تثبت صلاحية هذا الاتحاد للبقاء، وتبقيه نموذجًا عمليًا وواقعيًا للتعاون الإقليمي.
وترى الكاتبة ماري شاريل أن التحدي الأكبر للاتحاد الأوروبي للتغلب على الانقسامات هو تحدٍ ذو طبيعة جيوسياسية واقتصادية في الآن ذاته، إذ ينبغي إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة والعمل على إنعاش سياسة الأطراف المتعددة في منظومة العلاقات الدولية، في حين يرى الاتحاد الأوروبي أن انتصار بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية يشكل فرصة لإعادة صياغة العلاقات على جانبي المحيط الأطلسي، عبر تعزيز التعاون التكنولوجي، والدفاع المشترك عن القيم الديمقراطية ضد العملاق الصيني، كما حذر لوك فان ميدلار المسؤول السابق بالاتحاد الأوروبي، من خطورة الاصطفاف مع الولايات المتحدة لتشكيل حلف معاد للصين، ويرى أن هذا يعني وقوع الاتحاد في فخ كبير. رجحت ماري شاريل أن القارة العجوز ستكون الخاسر الأكبر إذا عادت إلى الوراء في علاقتها مع الولايات المتحدة، بعد أن انفتحت اقتصاديا وتحررت من الهيمنة الأميركية، مؤكدة أن الوقوف في وجه الصين والولايات المتحدة يتطلب من الدول الـ27 الأعضاء التغلب على الانقسامات ورص الصفوف والحديث بصوت واحد، هذا ويلخّص جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي، ما يواجهه الأعضاء من تحديات اقتصادية، قائلا: «إذا لم نعمل معا اليوم، فسنصبح بلا قيمة غدا».

مواطنو الاتّحاد الأوروبي يحتاجون إلى جواز سفر لدخول بريطانيا مع تغيّر القواعد

 

انقسامات داخلية بشأن المناخ


ذكر أحد التقارير أن الانقسام في صفوف دول الاتحاد الأوروبي لا يزال مستمرا حول حجم تخفيضات الانبعاثات التي على استعداد لتقديمها خلال العشر سنوات المقبلة، في حين لا يزال بعضها مترددا في الالتزام بالمزيد من القيود، وتعهد الاتحاد بخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 40 في المائة مقارنة بمستويات عام 1990 بحلول عام 2030، لكن هذا الهدف يحتاج إلى التحديث لأن العلماء يقولون إنه يلزم إجراء تخفيضات أسرع بكثير لتجنب تغير كارثي للمناخ.
اقترحت المفوضية الأوروبية خفض انبعاثات الاتحاد الأوروبي لعام 2030 بنسبة 50 في المائة أو 55 في المائة بعد تقييم التبعات، إذ لا بد من الاتفاق على هذا الهدف مع الدول الأعضاء وأعضاء البرلمان الأوروبي، ومن خلال اجتماع عبر الإنترنت لم ينجح وزراء البيئة بدول الاتحاد في التوصل لاتفاق بشأن ما إذا كان ينبغي رفع الهدف، حيث أشارت وزيرة البيئة الألمانية سفينيا شولتز بعد الاجتماع أن البعض متشكك.
تريد المفوضية إطلاق صندوق بقيمة 40 مليار يورو (45.6 مليار دولار) من الاتحاد الأوروبي لمساعدة المناطق المعتمدة على الوقود الأحفوري في التخلص من الكربون. ومع ذلك، فإن من المتوقع أن تكون الاستثمارات اللازمة للوصول إلى هدف المناخ الحالي للاتحاد الأوروبي لعام 2030 أعلى بكثير، إذ تبلغ حوالي 2.4 تريليون يورو بحلول عام 2027.

انقسامات داخلية بشأن السياسات التركية


يعتقد أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تُعاني من انقسام داخلي حول الموقف من السياسات التركية تجاه الاتحاد، والعقوبات المفترض فرْضها ضد أنقرة، فيما تحاول تركيا الاستفادة من هوامش الخلاف الأوروبي لكسب الوقت استعدادا لأي عقوبات محتملة؛ إذ تنقسم الدول الأوروبية في التعامل مع السياسات التركية لجبهتين أساسيتين، الأولى مُتشدِّدة، تضمُّ كلاً من فرنسا والنمسا وهولندا واليونان وقبرص، التي تطالِب بعدم إمهال تركيا أي وقت إضافي لفرْض عقوبات ضدها. أما الثانية فهي أكثر مرونة وتضمّ كلا من ألمانيا والمجر وإيطاليا، وإلى حدٍّ ما إسبانيا، التي تدعو إلى منْح تركيا مزيداً من الوقت لتعديل سياساتها. ومن المحتمل أن يسير الوضع مستقبلا نحو مسارين، أولهما، غَلَبَة مجموعة الدول المتشددة، وفرْض عقوبات يمكن أن تؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصاد التركي، أما الثاني، فهو غَلَبَة مجموعة الدول المرنة، وذلك بإقناع أنقرة بالقيام بانسحاب استراتيجي من مناطق النزاع مع دول الاتحاد عبر الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع أثينا بخصوص نشاطات التنقيب في المتوسط، والالتزام بآلية التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية مع الدول الأوروبية.

ملف الهجرة يثير الانقسام الداخلي في الاتحاد الأوروبي

ترحيل المهاجرين غير المستوفين لمتطلبات اللجوء

كشفت وثيقة قالت وكالة «رويترز» إنها اطلعت عليها أن المفوضية الأوروبية أرسلت يوم 10 فبراير (شباط) 2021، وثيقة لدول الاتحاد الأوروبي تقترح فيها تسريع عمليات ترحيل المهاجرين  الذين لا يستوفون متطلبات اللجوء. بحسب الاقتراح، الذي ينص على أن الترحيلات ستكون طوعية وتهدف إلى المساعدة في إعادة دمج المهاجرين في بلدانهم، هذا وقد تفرض المفوضية أيضا غرامات على حكومات الاتحاد الأوروبي التي لا تنفذ قواعد الترحيل الجديدة المقترحة، أما عن محتوى الوثيقة فقد جاء فيها أن المفوضية ستطبق نظاما مشتركا بين دول الاتحاد الأوروبي أفضل أداء للإعادات، وهو التعبير الذي يطلقه الاتحاد الأوروبي على عمليات الترحيل.

موجات الهجرة واللجوء

تشهد دول أوروبا عامة جدلا وانقساما سياسيا في موقفها جراء التحولات الأخيرة في أفغانستان، وهو ما تؤكده التصريحات المتناقضة وحركة اجتماعات الاتحاد الأوروبي المتسارعة، وآخرها لقاء وزراء داخلية الاتحاد، والذي شهد انقسامات حادة حيال موجات الهجرة واللجوء المتوقعة من أفغانستان.
خلفت تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون المتلفزة في فرنسا في أعقاب سيطرة طالبان على أفغانستان- والتي تحدث فيها عن «موجات هجرة غير نظامية» من أفغانستان- استياء وجدلا واسعا في الأوساط السياسية، هذا وقوبلت تصريحات ماكرون باستنكار قوى اليسار الفرنسي ونشطاء ومنظمات حقوقية، إذ وصفتها عضوة مجلس الشيوخ الاشتراكية لورانس روسينيول بأنها «مخزية»، فيما اتهم النائب عن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي أدريان كاتين، اتهم الرئيس بـ«تقزيم فرنسا».
أوضحت مارتين أوبري، عمدة مدينة ليل والوزيرة السابقة أنها تنتظر من أوروبا فعل الكثير لحفظ سلامة اللاجئين الأفغان، وأثنت على موقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في هذا السياق، مضيفة أنها تشاركها ترحيبها بالمدنيين الأفغان في أوروبا، واعتبرتها الشخص الوحيد الذي يحفظ مرة أخرى شرف أوروبا. ومن جانب آخر  عبر المرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة عن حزب «الخضر» يانيك جادو عن دهشته عبر حسابه في «تويتر» مما سمعه  عن ماكرون، ومن إعلانه أن النساء والرجال والأطفال الفارين من جحيم طالبان يشكلون تهديدا، وأنهم «مهاجرون غير نظاميين، أما اليمين واليمين المتطرف فقد طالبا بالتشدد في هذا الملف الحساس، قبل 8 أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية».
سعت النمسا من جانبها إلى مواصلة ترحيل اللاجئين الأفغان الذين رفضت طلباتهم، حيث أقر وزير الداخلية كارل نهامر على ضوء التطورات الأخيرة، أن ذلك لم «يعد سهلا» وأن التوجه الحالي نحو إنشاء «مراكز ترحيل» في دول الجوار، وتتمثل الفكرة في أن مساعدات الاتحاد الأوروبي ينبغي أن توظف بهدف إبقاء الأشخاص في المنطقة وتثبيط المحاولات الرامية للقيام برحلة محفوفة بالمخاطر لعبور حدود الاتحاد الأوروبي سعياً للحماية.

تفاؤل ألماني وسط شكوك دول جنوب الاتحاد الأوروبي

""4-	لقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في إسطنبول
لقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في إسطنبول


أعلنت الحكومة الألمانية أنها ترى حاليا بوادر تقدم في حل الخلاف بشأن سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة بعد أعوام من التوقف، وذلك رغم أن كثيرا من الدول لا تزال تعطل السير في القضية الأكثر إثارة للجدل، والمتمثلة في توزيع اللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي.
وأشار وكيل وزارة الداخلية الاتحادية، هلموت تايشمان، إلى أن بعض دول الاتحاد الأوروبي كانت تصر حتى وقت قريب على أنه يجب الاتفاق على كل شيء في حزمة واحدة بما يشمل مسألة إعادة توزيع اللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي وقد تغير ذلك الآن. في حين لا يزال يتعين على الدول الأوروبية التفاوض مع البرلمان الأوروبي بشأن التفاصيل. هذا وأضاف هلموت أن الحكومة الاتحادية ستسعى في الخطوة التالية للوصول إلى أن يتم على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي فحص إذا ما كان هناك حق في طلب الحماية من الأساس بالنسبة للأشخاص الراغبين في عبور الحدود، ولكن هذه الخطط حسبه قد تصطدم بشكوك في دول جنوب الاتحاد الأوروبي، حيث تصل أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، رغم ذلك فقد أعرب تايشمان عن تفاؤله، لأن إيطاليا مثلا لديها مصلحة كبيرة في إبرام اتفاقية دائمة من أجل توزيع المهاجرين القادمين على متن قوارب، والذين تم إنقاذهم من الغرق.

تنسيق أوروبي مرتقب إزاء التدفق المفترض للاجئين الأفغان قد يخفف الانقسامات


بحث الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع طارئ في 17/08/2021، الآثار الأمنية في أفغانستان، وردا جماعيا منسقا ومنظما لمواجهة تدفق مفترض لأعداد اللاجئين من هذا البلد، الذي شهد عمليات إجلاء آلاف الأفغان إلى بعض البلدان الغربية، في وقت سيطرت فيه حركة طالبان على العاصمة كابول، بعد الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية، تحاول دول الاتحاد الأوروبي منع تدفق أعداد المهاجرين من أفغانستان دون مراقبة، وفق بيان صدر تحضيرا للاجتماع المشار إليه على مستوى وزراء الداخلية.
أشار مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى استراتيجية ثلاثية الأبعاد، تعتمد على حماية الحدود الخارجية بشكل أكثر صرامة، ثم عرض اللجوء على الفئات الأكثر ضعفا، إلى جانب دعم دول الجوار الأفغاني والمنظمات الدولية، وفق هذه الاسترتيجية ستحيط حكومات دول الاتحاد الأوروبي نفسها بيقظة، حتى تتجنب تدفق المهاجرين واللاجئين غير النظاميين حوالي مليون لاجئ في 2015، عندما لم تكن الكتلة الأوروبية مستعدة لذلك، حيث ظهرت في صلبها انقسامات غذت الدعم لأحزاب أقصى اليمين في بلدان مثل اليونان وإيطاليا.
تحذر وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة من أن حوالي نصف مليون شخص يمكن أن يهربوا من بلادهم، التي تعد حوالي 40 مليون نسمة بحلول نهاية العام، خشية حكم طالبان المتشدد. ودعا المفوض السامي لوكالة غوث اللاجئين فيليبو غراندي إلى إبقاء الحدود مفتوحة أمام اللاجئين، وإلى أن تتقاسم مزيد من الدول المسؤولية مع إيران وباكستان اللتين تستضيفان وحدهما أكثر من مليوني لاجئ، أما تركيا التي ساعدت في احتواء أزمة سنة 2015 باستقبال ملايين اللاجئين السوريين، فإنها ليست راغبة في استقبال مزيد من اللاجئين الأفغان، في وقت تجهد جائحة كوفيدـ19 والركود الاقتصادي الخدمات الأمنية والاجتماعية.  

الاتحاد الأوروبي: ماضون في تعزيز التعاون مع دول الخليج

 

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. «ملفات عالقة»

""5-	رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي خطابًا خلال قمة الاستثمار العالمي في متحف العلوم بلندن يوم 19 أكتوبر 2021
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي خطابًا خلال قمة الاستثمار العالمي في متحف العلوم بلندن يوم 19 أكتوبر 2021

طالب الاتحاد الأوروبي رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في 12/06/2021 بضرورة تنفيذ الاتفاق الذي وقعه لخروج بلاده من الاتحاد حتى يضمن السلام في أيرلندا الشمالية، مؤكدا أن الكتلة المؤلفة من 27 دولة موحدة فيما يتعلق بهذا الموقف. أبدت أميركا قلقها البالغ من أن يؤدي الخلاف بين لندن وبروكسل حول تنفيذ اتفاق الخروج من الاتحاد (البريكسيت) المبرم لتقويض اتفاق الجمعة العظيمة للسلام المبرم عام 1998 والذي أنهى عنفا دام لثلاثة عقود.
بعد خروج بريطانيا من الكتلة أجّل جونسون بشكل منفرد تنفيذ بعض بنود بروتوكول أيرلندا الشمالية في اتفاق الخروج، إذ قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بعد اجتماع مع جونسون ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال: «اتفاق الجمعة العظيمة والسلام في جزيرة أيرلندا أمران أساسيان... يجب على الجانبين تنفيذ ما اتفقنا عليه»، وأضافت: «هناك وحدة تامة داخل الاتحاد الأوروبي إزاء هذا الشأن»، مشيرة إلى أن حكومة جونسون والاتحاد الأوروبي اتفقا على اتفاق البريكسيت ووقعاه وصدّقا عليه، فرغم ذلك لم يكن جزءا من جدول الأعمال الرسمي لقمة دول مجموعة السبع في منتجع كاربيس باي الإنجليزي.

ردود فعل متفرقة إزاء  حالة بريطانيا
عرض إيمانويل ماكرون إعادة ضبط العلاقات مع بريطانيا إذا التزم جونسون بالاتفاق الذي وقعه، كما التقى جونسون مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ومن جانبه عبر الرئيس الأميركي جو بايدن على أنه فخور بانتمائه وبانحداره من أصول أيرلندية، مشيرا إلى أن واشنطن لن ترحب بأي خطوات تعرض اتفاق السلام المبرم عام 1998 للخطر، في حين قال جونسون لرئيسة المفوضية الأوروبية إنه ملتزم بإيجاد حلول عملية لخروج بريطانيا من الاتحاد في إطار بروتوكول أيرلندا الشمالية، وكرد فعل قال متحدث باسم داوننغ ستريت إن رئيس الوزراء أوضح أن المملكة المتحدة ملتزمة بإيجاد حلول عملية في إطار البروتوكول، مثلما أكد جونسون لميركل ضرورة الحفاظ على سيادة المملكة المتحدة ووحدة أراضيها.

التأثيرات المحتملة لمغادرة ميركل المشهد السياسي


يرى مراقبون أنه يتوجب على خليفة ميركل ملء الفراغ الذي ستتركه، إذ حصلت المستشارة الألمانية على كثير من المدح والثناء من القادة الغربيين طوال 16 عاماً كانت فيها في السلطة، وعلى الرغم من أن سياساتها قد لا تحظى بشعبية عالمية، إلا أنه من المستحيل على أي سياسي أن يلقى إجماعا على أدائه. بينما يحسب لميركل تجاوزها عدداً من الأزمات خلال فترة حكمها بهدوء وعقلانية.
ويعتقد أن ميركل ستترك ألمانيا مختلفة عن السابق قبل 16 عاماً، إذ تسبب وباء كورونا بأضرار اقتصادية كبيرة، كما شهدت ألمانيا صعوداً لليمين المتطرف لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لكن التحدي الأكبر هو مستقبل الاتحاد الأوروبي ودور ألمانيا فيه، لا سيما في ضوء الحاجة لتعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبي، وسط تزايد المشاعر المناهضة للاتحاد في عدد من الدول الأعضاء، مثلما سيراقب الجميع كيف سيتعامل خليفة ميركل مع إرثها هل سيواصل السير على خطاها وقيادة، أم إنه سيكتب فصلاً جديداً في تاريخ ألمانيا؟

مؤشرات تراجع المحور الألماني الفرنسي

""6-	برلين تعاني كما سائر العواصم الأوروبية من تداعيات التغيّر المناخي
برلين تعاني كما سائر العواصم الأوروبية من تداعيات التغيّر المناخي


أصدر قادة الاتحاد الأوروبي بياناً، في ختام اليوم الأول للقمة الأوروبية، يوم 26 يونيو (حزيران) 2021، رفضوا فيه دعوة ألمانية فرنسية لعقد قمة مع روسيا؛ لكنهم أكدوا ضرورة التعاون مع روسيا في عدد من الملفات، وفي الوقت نفسه، لم يستبعدوا فرض عقوبات جديدة ضد موسكو، ومددوا العقوبات الاقتصادية على موسكو لنصف عام، وأعرب الكرملين عن أسفه لرفض القادة الأوربيين عقد قمة مع الرئيس فلاديمير بوتين، وأكد أن الاتحاد أصبح يهيمن عليه «عدائيون»، في إشارة إلى دول البلطيق ودول شرق أوروبا التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق.
ورغم تراجع المحور الفرنسي الألماني إلا أن ماكرون أشاد في 31/05/2021 بـ«التزام أنجيلا ميركل بتعزيز العلاقات بين البلدين وصبرها وقدرتها على الإصغاء، وذلك خلال المجلس الوزاري الفرنسي- الألماني الأخير قبل تقاعدها. وقد ثمّنت ميركل التوصل لحلول مشتركة رغم اختلاف وجهات النظر، معربة عن سعادتها لقيام هذا التعاون ومبدية ثقتها بتحقيقه نتائج ضمن الإطار الزمني المحدد.

صعود فرنسا أمام الولايات المتحدة


أكد  وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير، أن أزمة الغواصات الأخيرة تشير إلى أنه لا يمكن للاتحاد الأوروبي الاعتماد في حمايته على الولايات المتحدة، مستغربا في الوقت ذاته التصريحات التي أدلت بها رئيسة الوزراء الدنماركية من أن الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن الاتحاد الأوروبي وحمايته مهما كلف الأمر، وأضاف لومير- في تصريح لإذاعة «فرانس إنفو»- أن الاعتقاد بأن واشنطن ستواصل حماية الأوربيين خطأ كبير، كما أن أزمة الغواصات وما حصل في أفغانستان يظهران أنه لم يعد بإمكان الأوروبيين الاعتماد على الولايات المتحدة، لضمان حمايتهم الاستراتيجية. هذا وأكد لومير أن على أوروبا أن تفتح عينيها، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لديها هاجس واحد، وهو احتواء صعود قوة الصين.

الأدوار الممكنة للاتحاد الأوروبي دوليا وإقليميا

ورغم ما تبذله دول أوروبا من جهود في المسرح الدولي، تبدو أوروبا بعيدة عن التطورات والأحداث والنزاعات الدولية، والتي أصبحت تمثل معضلات جديدة للاتحاد الأوروبي، كون صوت دول أوروباـ الاتحاد الأوروبي أصبح غير مسموع ليس فقط في الشؤون الدولية، ولكن أيضًا في دول جوار الاتحاد الأوروبي، كما يبدو الاتحاد الأوروبي أقل أهمية من أي وقت مضى في سوريا وليبيا؛ ومنقسما حول التطورات في شرق البحر الأبيض المتوسط بسبب سياسات تركيا، ويعود ذلك إلى غياب الحضور العسكري والأمني خارج أراضي أوروبا لدعم القرار أو المواقف السياسية الأوروبية.

طموحات مع قدرات متواضعة في الوقت الراهن

يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا أكثر طموحًا في مكافحة الإرهاب، على الرغم من أن المسؤولية الأساسية عن مكافحة الجريمة وضمان الأمن تقع على عاتق الدول الأعضاء، ففي السنوات الأخيرة، تحول الاتحاد الأوروبي من أجندة «مرنة» دفاعية لحد ما إلى موقف أكثر طموحًا في السياسة الخارجية، وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، ومنسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوسيب بوريل، والعديد من الدول الأعضاء، يضغطون بقوة ليكون الاتحاد الأوروبي أكثر طموحًا دوليا وبناء أوروبا أكثر جيوسياسية. وهذا ما دفع بوريل إلى الدعوة لاستخدام لغة القوة. يدعو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى وجود أوروبا تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، وسعى إلى تعزيز طموحات السياسة الخارجية لأوروبا. فمن الواضح أن هناك إجماعًا واسع النطاق على أن أوروبا بحاجة إلى تبني موقف أكثر حزماً في الشؤون الدولية.

بوريل: الاتّحاد الأوروبي متضامن مع فرنسا في أزمتها مع الولايات المتّحدة


مقالات ذات صلة